كشفت أحدث التحليلات الصادرة عن شركة الاستشارات البحرينية “سي إنتليجنس” (Sea-Intelligence) ومقرها كوبنهاغن، عن استمرار أزمة الازدحام في الموانئ العالمية، والتي تعمل فعليًا على تقليص السعة التشغيلية لسفن الحاويات في السوق بنحو 1.7 مليون حاوية نمطية (TEU)، وهو رقم يوازي تقريبًا إجمالي حجم الأسطول المُشغّل من قبل شركة “إيفرغرين” (Evergreen) العالمية.
وأوضح التقرير الدوري لأداء خطوط الشحن أن مؤشرات موثوقية الجداول الزمنية لم تُظهر أي بوادر تحسن تُذكر، حيث استقر أداء شهر يونيو 2026 عند مستويات تتراوح بين 60% و65% فقط. ويُقارن ذلك بفترة ما قبل جائحة كورونا، حيث كانت الشركات تحقق نسب انتظام تتراوح بين 70% و80%، مما يؤكد أن التدهور لا يقتصر على ازدياد عدد السفن المتأخرة فحسب، بل يمتد ليشمل فترات احتجاز أطول بكثير في الموانئ.
وأشارت بيانات الشركة إلى أن متوسط تأخر السفينة عن موعدها المقرر، والذي كان يتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أيام فقط في السنوات التي سبقت الجائحة، أصبح الآن يتراوح بين خمسة أيام وخمسة أيام ونصف يوم، وهو ما يُعد “الوضع الطبيعي الجديد” لقطاع النقل البحري.
وبدمج نسبة السفن المتأخرة مع مدة التأخير، تمكنت “سي إنتليجنس” من حساب حجم السعة المُعلّقة فعليًا، والتي تُستنزف من السوق ولا تتاح للشاحنين. وخلص التقرير إلى أن التأخيرات في يونيو الماضي استهلكت نحو 5% من إجمالي الأسطول العالمي للحاويات، مقارنة بمتوسط تاريخي بلغ 2.2% خلال الفترة المستقرة نسبيًا من 2011 إلى 2019. ويعني هذا أن السوق الحالية تعاني من عجز إضافي بنسبة 2.8 نقطة مئوية فوق المعدل الطبيعي.
وبالأرقام المطلقة، فإن هذا الاستيعاب البالغ 5% يُعادل إزالة 1.7 مليون حاوية نمطية (TEU) من العرض الفعلي. وحتى عند استبعاد مستوى الاضطراب التاريخي (2.2%)، يتبقى نحو مليون حاوية نمطية (TEU) تُبتلعها التأخيرات، وهو حجم يُقارب أسطول شركة هيونداي (HMM) للشحن البحري بالكامل.
وفي سياق متصل، تُشير تقديرات شركة “دي إتش إل” (DHL) إلى أن حجم الحاويات العالقة في الموانئ المزدحمة قد يكون أعلى من ذلك، حيث تتجاوز 3.7 مليون حاوية نمطية (TEU) على مستوى العالم. وقد تفاقم هذا الوضع بسبب الأعاصير التي عطّلت العمليات في موانئ صينية رئيسية، إلى جانب الطلب القوي على الصادرات الذي خلق اختناقات مرورية واسعة في جميع أنحاء آسيا، لا سيما في منطقة شمال آسيا.
وفي هذا الإطار، صرّحت نيكي فرانك، الرئيسة التنفيذية لشركة “دي إتش إل” العالمية للشحن الجوي والبحري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، قائلة: “بالنسبة للشاحنين، قد لا يكون النصف الثاني من عام 2026 متعلقًا بانتظار عودة الأمور إلى طبيعتها، بل بالتكيف مع سوقٍ أصبح فيه الضغط هو القاعدة”.
وتُفسر هذه الأرقام السبب وراء استمرار محدودية طاقة شحن الحاويات، على الرغم من الكميات الهائلة من الحمولة الجديدة التي سلّمتها أحواض بناء السفن الآسيوية في السنوات الأخيرة. فبينما تمتلك شركات الشحن عددًا أكبر من السفن في البحر، فإن الازدحام واضطراب مسارات الشحن وتدهور الالتزام بالجداول الزمنية تعني أن جزءًا كبيرًا من تلك الطاقة النظرية غير متاح فعليًا في أي لحظة.
وكانت شركة “ميرسك” (Maersk) قد رفعت الأسبوع الماضي توقعاتها للعام بأكمله مرة أخرى، مستندةً إلى الازدحام الواسع النطاق في الموانئ. وأكد الرئيس التنفيذي للشركة، فينسنت كليرك، أن “الطلب القوي والمتنوع من الشرق الأقصى منذ عام 2024 أدى إلى اختلالات كبيرة في تدفقات التجارة، حيث بلغت أحجام الشحن مستويات تُشكل تحديًا لقدرة البنية التحتية البرية. ونشهد، بدءًا من الموانئ وصولاً إلى النقل البري، تزايدًا في الازدحام والاضطرابات في مناطق جغرافية متعددة”. وأضافت الشركة أن الازدحام أصبح الآن العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد أسعار الشحن، متجاوزًا بذلك تأثير نمو العرض الجديد.
وتُبرز هذه المعطيات حجم التحدي الذي يواجه سلاسل الإمداد العالمية، وتُلقي بظلالها على كفاءة النقل متعدد الوسائط، حيث يُشكل استمرار هذه التأخيرات ضغطًا إضافيًا على الخدمات اللوجستية البرية والبحرية على حدٍ سواء، مما يستدعي من جميع الأطراف الفاعلة في قطاع النقل، بما في ذلك المشغلين في مصر، مراقبة هذه التطورات عن كثب وتكييف استراتيجياتهم التشغيلية لمواجهة حالة عدم اليقين المستمرة في حركة التجارة العالمية.